أحمد بن علي الرفاعي الكبير

78

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

والجنة بكل ما فيها في جنب سروره بربه ، أصغر من خردلة ، لما علم أنه أكبر من كل كبير ، وأعظم من كل عظيم . فمن وجده فأي شيء لا يجد ؟ وبأي شيء يشتغل بعده ؟ وهل رؤية غيره إلا من خساسة النفس ، ودناءة الهمّة ، وقلة المعرفة به ؟ وهل يكون لباس أجمل من لباس الإسلام ؟ أو تاج أجل من تاج المعرفة ، أو بساط أشرف من بساط الطاعة ؟ قال اللّه تعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [ يونس : 58 ] . قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى في بعض مناجاته : إلهي ! إنك تعلم أن الجنة وما فيها ، لا تزن عندي جناح بعوضة ، بعد ما وهبت لي معرفتك ، وآنستني بك ، وفرّغتني للتفكر في عظمتك ، ووعدتني النظر إلى وجهك . نعم . إن أدنى منازل العارف ، أن اللّه تعالى لو أدخله النار ، وأحاط به العذاب ، لم يزدد قلبه إلّا حبّا ، وأنسا به ، وشوقا إليه . قال ابن سيرين رحمه اللّه تعالى : لو خيّرت بين الجنة وركعتين ، تخيرت الركعتين ، لأن في الركعتين رضاء اللّه تعالى ، والقرب منه ، وفي الجنة هوى النفس ، ومحبة الناس . قيل : لما ألقي الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار و قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ [ الأنبياء : 68 ] . قال : حسبي ربي ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير . قال تعالى : يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [ الأنبياء : 69 ] . وروي أن اللّه تعالى أوحى إليه : يا إبراهيم ! أنت خليلي ، وأنا خليلك ، فلا تشغل قلبك بدوني ، فتنقطع الخلّة بينك وبيني ، لأن الصادق في دعوى خلتي لو أحرق بالنار ، لم يتحول قلبه عني إلى غيري إجلالا لحرمتي . وذكر اللّه تعالى ذلك في كتابه بقوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 131 ) [ البقرة : 131 ] . فعرف صدقه في التسليم ، حتى ألقي في النار .